الفيض الكاشاني

221

الوافي

وعلى هذا فلا بأس بسماع التغني بالأشعار ( 1 ) المتضمنة ذكر الجنة والنار

--> ( 1 ) قوله « بسماع التغني بالأشعار » هذا هو الصحيح في استعمال لفظ التغني فإنه مد الصوت أو الصوت كما في المصباح المنير ومن فسره بأخص من ذلك فإنه أراد تفسير المقصود في عبارة بعينها أو في اصطلاح خاص وفي النهاية لابن الأثير كل من رفع صوتا ووالاه فصوته عند العرب غناء ، ولا يخفى على المتتبع صحة هذا التفسير وهذا كلام ابن الأثير حجة في هذا الباب ، ولكن بعض المتأخرين تصرفوا في مفهوم الغناء وخصوه بشئ تحيروا في بياته ولم يهتدوا إلى ضبط مقصودهم بحيث يفهمه غيرهم . ولو سألت أحدهم ما حد الغناء عندك وما الذي تريد به ، لعجز عن بيانه وأحال على العرف فرارا وهذا غير جائز لأن الناس عاجزون عن بيان مقاصد غيرهم خصوصا إذا عجز المتكلمون أنفسهم عنه مثل أن يحيل النحوي تفسير الرفع والنصب على العرف ولا نسلم أن المعنى العرفي زمان صدور الأخبار في لفظ الغناء كان أخص من معناه اللغوي حتى يحمل الكلمة على المعنى العرفي المتداول في ذلك العصر ، وأما عرف زماننا فلا ريب أنه لا يحمل عليه الأحاديث الصادرة عنهم عليهم السلام مع إن العرب في زماننا فلا ريب أنه لا يحمل عليه الأحاديث الصادرة عنهم عليهم السلام مع إن العرب في زماننا يطلقون الغناء أيضا على معنى أعم جدا نظير ما ذكره ابن الأثير ، ورأيت بعض طلبة العلوم يحيله على عرف المتشرعة من العجم وغيرهم وهو واضح البطلان مع أن المتشرعة تابعون للفقهاء والفقهاء لأهل اللغة فإذا تحيروا تحيروا وإذا جزموا جزموا والعوام أنفسهم يسألون الفقهاء عن معنى الغناء وأمثاله وإنما يحال على العرف فيما يستقل استعمالهم غير تابعين للفقهاء قال الفاضل التوني في حاشية الروضة العرف غير منضبط بحيث يوجب انتفاء الاشتباه في جميع الأفراد والاحتياط للدين الاجتناب عن كل ما يحتمل أن يكون غناءا . انتهى . وأقول ما ذكره من عدم انضباط العرف حق ويكفي لدفع من توهم إحالة الغناء على العرف وغرضه عرف المتشرعة ، وأما عرف العرب في عصر الأئمة فلا تسلم عدم انضباطه بل هو مطلق رفع الصوت ، وأما ما ذكره من الاحتياط فهو حسن لكن طريقتهم في أمثال هذه الشبهات البراءة فما علم أنه محرم وجب الاجتناب عنه وما شك فالأفضل عدم وجود الاجتناب والمستفاد من الرياض في الغناء إنه الصوت اللهوي لا الصوت المشتمل على الترجيع إلى آخره . فإن أراد أن الغناء الذي حرم في الشرع هو الصوت اللهوي فهو حق وإن أراد إن الغناء في اللغة والعرف هو الصوت اللهوي فظاهر أنه ليس كذلك بل يطلق على اللهو وغير اللهو إلا أن اللهو حرام وغير اللهو جايز مع صدق الغناء عليهما جميعا لكن أكثر استعمال الغناء في اللهو لأنه المتداول المشهور المطلوب عند أهل الدنيا الذي صار أحد المشاغل والمعايش ويعطى بإزائه الأجرة وتجرد جماعة للتمهر فيه وهو المسؤول عنه والمطلوب حكمه والنهي وارد عليه . وأما صوت الحداء للإبل وغناء المراثي والنياحة والحماسة والمخافرة وأصوات الطيور فلم يسئلوا عنها ولم يكن النهي واردا عليها كما نقول في زماننا صندوق الصوت حرام فإن العمدة فيه الأصوات الملهية لا ان كل صوت يضبط في صندوق فاستماعه حرام فحمل الغناء المنهي عنه على الغناء اللهوي من صاحب الرياض حق للانصراف إلى المعروف المتداول لا لأن المعنى العرفي للغناء هو الصوت اللهوي ، ولم يبين صاحب الرياض إن حرمة الصوت اللهوي هل هي لحرمة اللهو المقارن للغناء كما نسب إلى المصنف أو لحرمة نفس الصوت في هذه الحالة كما يذهب الشيخ المحقق الأنصاري والظاهر الثاني ، ثم الفرق بين اللهو وغيره النية والقصد فقد يكون السامع لاهيا والمغني غير لاه ، وقد يكون مجلس يجتمع فيه الصلحاء والعباد للتذكر ويغني فيه الوعظ والذاكر والمداح بصوت حسن فلا يتصور احتمال حرمته لعدم صدق الباطل عليه وعدم كون النهي واردا عليه ولا يتصور أيضا الشك في كون فرد من الغناء حراما أو حلالا إذا المميز بين الحلال والحرام منه كونه في مقام اللهو والتلذذ بالأباطيل والشهوات أو في مقام أمر مرغوب فيه شرعا وعرفا وهذا تميز واضح وإن فرضنا حصول الشك نادرا فمقتضى البراءة عدم الاجتناب . ولكن صاحب الرياض صرح بكون الحداء للإبل حراما خلافا للمشهور والسيرة المستمرة وخلافا لتعريفه للغناء لأن الحداء ليس لهوا باطلا بل هو وسيلة لسوق الإبل وإسراعها في المشي ، وهذا غرض عقلائي مشروع وليس من اللهو والباطل وتردد في الغناء في الزفاف لأنه لهو . قال لم يستثنه جماعة من الفقهاء والحق انه ليس لهوا باطلا محضا وعلى فرض كونه لهوا فهو مستثنى وعدم ذكر جماعة من الفقهاء أعم من فتواهم بحرمته ، وصرح أيضا بحرمة الغناء في مراثي أبي عبد الله عليه السلام ، والقرآن خلافا لمن جوز ذلك ، والحق أن المجوز لذلك لا يريد الغناء اللهوي البتة . وصاحب الرياض خصص الغناء بالصوت اللهوي فاختلف الموضوعات وصار الخلاف لفظيا ، فمن جوز الغناء فيها كالمصنف أراد بذلك مد الصوت وحسنه ، ومذهبه أن الغناء يطلق على كل صوت وإن لم يكن لهوا ، ومن أنكر الجواز خصص الغناء باللهو نعم ينبغي صرف الكلام إلى شئ آخر وهو ان اللهو بالنية كما ذكرنا فمن أراد بالصوت وسماعه لهوا كان حراما ومن أراد حقا كان حلالا إلا أن يكون الصوت مما لا يمكن أن ينفك عن اللهو فهو حرام في القرآن والمراثي لأن التهلي بالقرآن استخفاف وتوهين كما ذكرنا وان لم نقل بحرمة الصوت لنفسه . « ش » .